مفاوضات ومصالحة فلسطينية!!
فرج شلهوب
المهازل تتكاثر على شعب فلسطين، فالمفاوضات العابثة، تحولت إلى رحلة الشتاء والصيف التي لا فكاك منها، وليس المهم ماذا تنتج؟! فالأهم أنها وسيلة البقاء لصغار يعاد نفخهم كلما تقلصت عضلاتهم، أو خارت قواهم(!!) فاللعبة لم تضع أوزارها وقد لا تضعها قبل عقدين، لا نعلم ما يحدث فيهما، ليس في فلسطين بل ما هو أبعد من فلسطين الآخذة بالتقلص والابتلاع، لصالح "إسرائيل" الساعية لأن تكون كبرى، بالدبلوماسية الناعمة أو بالهراوة الغليظة!!
الصغار، وهم بالمناسبة قِطاعٌ لم يعد صغيرا ولا محصورا في مسؤولي سلطة منزوعة الدسم والكرامة، بل يتعدى ذلك لشركاء الكتف بالكتف والساق بالساق، ممن يرطنون بالعربية ولا عشق لهم إلا العبرية وما يقرب إليها من قول أو عمل،.. الصغار إياهم، يحزمون حقائبهم الآن للنزول عن الشجرة، للذهاب في عناق حميم مع اليمين الإسرائيلي، ليجلبوا للشعب المذبوح السمن والعسل، الذي تأخر طيلة عقدين منصرمين من الحديث الفارغ ولوك الكلمات، أو لنكن صرحاء ليجلبوا لأنفسهم وأزواجهم وذراريهم وكلابهم السمن والسلوى، وليذهب اللاجئون إلى الجحيم، ومعهم الأرض والعرض، القدس وكل مساجد الله في فلسطين. فماذا يعني كل هذا؟!
فمن يذبح المجاهدين أو من عنده شبهة جهاد ومقاومة بسكين حاف، ويسلخ لحمهم عن عظمهم في رابعة النهار وبأموال المانحين، ووفق شروطهم، ومن أجل عيون تل أبيب، ماذا تعني له فلسطين وأهلها، في المنافي والحضور؟! ومن يتغذى من مال تل أبيب ويتسلح بسلاحها، يدربه رجالها، ويصوغون عقله ووعيه، ويدفعون له مرتبه آخر الشهر، لمن ينتمي، ولمن سيُخْلِصُ، ولمن حصيلة جهده وعمله.. من الكبير الكبير إلى الصغير الصغير؟!
وحين يذهب هؤلاء الصغار مقيدين بكل هذه الأثقال والقيود للتفاوض، وفي قبالة احتلال لا يضع "واطيا" لواشنطن ولا باريس، ويتهدد طهران بالفناء، ودمشق بالشطب عن الخارطة، إذا ما رفعتا أعينهما قبالته، ولا يرى في محيطه، وعلى مدى ألفي كيلومتر، من يملأ عينه، فماذا عسى هؤلاء وهذا حالهم أن يجلبوا من تفاوضهم، على فرض أن همَّ القضية والوطن واللاجئين والقدس يسكنهم، فكيف وهم لا يسكنهم إلا حب ذواتهم، والعيش بأمان في كنف الأسياد، للتمتع بالمنح والعطايا وصولجان السلطان الموهوم؟!
الغريب أن انكباب الصغار على لقاء المحتلين ومصافحتهم، والتعلق بإدامة العلاقة معهم، ولو على خازوق، يقابله تجهم وصلف وكبرياء أجوف حين يكون الحديث عن المصالحة الداخلية، أو اللقاء مع شركاء الوطن!! والورقة المصرية للمصالحة تتحول حينئذ عند هؤلاء، إلى قرآن منزل.. لن يسمحوا ولن يقبلوا أن يجري عليها أي تعديل أو تبديل، ولتذهب المصالحة إلى الجحيم إذا كان المطلوب لذلك تغيير حرف أو فاصلة أو تنوين، من الورقة الموحى بها من واشنطن في آخر طبعاتها. فما تم الاتفاق عليه بين الفرقاء، وصيغ في ورقة في جلسة الحوار الأخير، تم نقضه بالحذف والإضافة والتحوير، في ربع الساعة الأخير من قبل الوسيط، وبما يلبي شروط الرباعية، ويحقق رضا الأسياد الحاكمين في تل أبيب، باعتبار أنه بدون ذلك الرضا والقبول، كما يفهم الوسيط وسلطة الوهم، فالاتفاق كله لن يكون مستحقا للحبر الذي كتب به، وسيكون مصيره عند من بيده الأمر "بِلُّوه واشربوا مَيّتُه". فلماذا يتعبون أنفسهم!! والدور والباقي، على من ينتظر أن يجني من الشوك العنب، ومن يراهن على طيبة قلب من لا يملك قلبا، أو من لا يملك إرادته وحريته!!
السياسة كما يعرفها أهلها، بلا دين ولا قلب، لا تأخذ إلا إذا كانت عصاك غليظة قادرة على إسالة الدم وتهشيم العظام، وإذا ما كانت يداك قادرتان على أن تطالا من يدفع قدميه في بطنك، أما خارج هذا السياق، فلا سبيل إلا سبيل الصغار الذين يعتاشون من كف قاتل أبيهم، الذين يقولون لمن أخذ أمهم، بالحق أو الباطل، هذا عمنا، وكفى الله الصغار شر القتال، ومن لا يصدق فلينظر كيف يتصرف ليبرمان وزير خارجية "إسرائيل" وهو يوزع تهديداته ذات اليمين وذات الشمال، ويكيل إهاناته لكل أحد، بينما هو آمن على نفسه، ويخضع لحكومته العربان المتنافخون على المغلوبين على أمرهم في غزة!! ولا نريد أن نذهب لما هو أبعد من ذلك، حيث يكافئ العالم الحر(!!) بما في ذلك حكومات العرب، تل أبيب على عدوانها على غزة، فلا يمس لها شعرة ولا بدنا، بينما يتوافق على حصار الجياع ممن وقع عليهم العدوان، وهدمت بيوتهم، ولا يزالون يعيشون في العراء!!
عالم منافق، وساسة بلا دين، ومن يريد أن يناطحهم، عليه أن يعرف ذلك، والأهم أن يعرف كيف تنتزع الحقوق، وكيف يتم إذلال الجبابرة؟! أليس في أسر شاليط، وفي انكسار الناتو للتفاوض مع طالبان بعد ثماني سنوات من القتل والتدمير، عبرة ودرسا؟!! والشواهد الأخرى كثيرة وقريبة، وفي متناول اليد، فقط المهم.. ماذا يختار أصحاب الحق والقضية؟!