ارتدتها الملابس على عجل, كان هذا بعد أن ضاقت عليها الجدران الفسيحة وأعتم النهار المضيء لتغدو الدنيا ظلاما ولتتركها الفرحة وتغادر قلبها سريعا!!..
طردتها الجدران الأربعة خارجا, وتلقفتها الطرق كما الكرة ,كل طريق يدفعها نحو الآخر , أما الأرصفة فقد تقاذفتها كما الكرة!!
الأبواق المندفعة من السيارات , أصوات المارة بل حتى صمت الأرصفة التي تعج بالسائرين اشترك في دفعها نحو المزيد من الجنون..
واجهات المحلات تأملتها على عجل وهي تنطوي من أمامها في لمحات خاطفة, لم تكن الأماكن لتحتملها فكانت تبتلعها ثم تلفظها بعد أن تجهض روح النقود في محفظتها وتسحب الأنفاس الفارغة من صدرها..
حتى الساعات تعمدت أن تسقط دقائقها على مهل شديد دقيقة إثر أخرى , وهي التي كانت ظمآنة لا لارتشاف النهار, بل لابتلاعه بأسره دفعة واحدة.
أما الملل فسعد بانتزاع روحها الفارغة , وملأها بالمزيد والمزيد من أنفاسه الباردة حتى كادت تنفجر مللاً وفراغاً.
لم تعد النقود لتستقر في محفظتها بعد أن عرفت طريق الخروج, فما أبشع الرقود في محفظة كثيرة التقلب.
المتع انقضت ومرت أمامها كالطيف كأنما تتعمد إغاظتها!!..
أما الحب فأعطاها ظهره وهو يرمي لها بفتات مشاعر ولّت هي الأخرى من بين يديها.
لم تكن المشاعر القيّمة لتمكث أمامها بل كانت تبحث عن صدر أمين ووجه يستحق أن يتلون بالحب والعطاء والحياة
هامت فيها الطرقات التي لا تحمل اسما ولا وجهاً محدداً
غريب هو الضياع, وموحشة هي الغربة حين تسكن في الداخل.
بل ومؤلم هو الشعور بكل ذلك الاتساع في الداخل بينما تزدحم اللاأشياء فيه فتختلط الرؤيا.
لا ريب أنها النظارة الشمسية !!
خلعتها عنها فانكشفت لها الشمس التي كانت هناك , رأت وجوها لم ترها قبل وهي تعرض هنا
هذا وجه هائم, وهذا وجه سارح,ذاك وجهٌ عابس
تلك طلّة عجوز بائسة أما تلك فهي أخرى مفتونة بالحياة والمتاع تتراقص الفتنة على وجنتيها كما كانت تتراقص على وجهها في المرآة منذ زمن!!
رسومات ملأى بالألوان طالعتها بلغة غريبة لم تستطع تفسيرها فلطالما كانت أمية في الاجتماعية البشرية والشعور الإنسانيّ, لم تكن تلك الوجوه في قاموسها, كانت الوجوه لديها محددة في كتالوج منتقى يضع الوجه والقالب قبل الروح والرؤيا. والمادة قبل المحتوى..
رنّ هاتفها الجوال فانسحبت داخله كما كل مرة ,عالمها كله ينسكب في السماعة لتنسى كل الكون الدائر حولها لتمضي دقائق قليلة في حديث سخيف عابر, تتخلله ضحكات جوفاء وجمل فارغة تتسلل دوما إلى شفتيها من حيث لا تدري, ينقضى الحديث الطويل الممل بسرعة كما كل ما ظنته ذا قيمة مرة..
أمست وحيدة فجأة في البيت
كيف عادت ؟؟ أألقت بها الطرق إلى هنا؟ أم أن قدماها باتت كالجمل الضال يعود لبيته وحده؟؟!!
كيف ابتلعها هذا الكهف البارد؟
هل هو بارد حقا؟؟
من أين هذا الدفء الذي ابتلعها وحرّك جذوة ما لتنبعث فيها الروح من جديد؟؟
لمن تلك الوجوه الصغيرة العابثة في فوضى المكان؟؟
أين كانت قبل؟؟
تذكرت فجأة أنها كانت هنا لكنها هي التي لم تكن تسري في ذات المدار..رغم أنها قلب المجموعة..
لا بدّ أنها شذّت في سيرها في غفلة من القلب والروح
تذكرت فجأة , أن لديها شيئا يستحق أن تشعر بالحياة لأجله!!
تذكرت أنها أم